محمد بن جرير الطبري

46

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وقصة الملك " . وقال آخرون : إن قوله إِنِّي سَقِيمٌ كلمة فيها معراض ، ومعناها أن كل من كان في عقبة الموت فهو سقيم ، وإن لم يكن به حين قالها سقم ظاهر ، والخبر عن رسول الله صلى الله علبه وسلم بخلاف هذا القول ، وقول رسول الله صلى الله علبه وسلم هو الحق دون غيره . قوله : فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ يقول : فتولوا عن إبراهيم مدبرين عنه ، خوفا من أن يعديهم السقم الذي ذكر أنه به ، كما : حدثنا عن يحيى بن زكريا ، عن بعض أصحابه ، عن حكيم بن جبير ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس إِنِّي سَقِيمٌ يقول : مطعون فتولوا عنه مدبرين ، قال سعيد : إن كان الفرار من الطاعون لقديما . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد عن قتادة فَتَوَلَّوْا فنكصوا عَنْهُ مُدْبِرِينَ منطلقين . وقوله : فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ يقول تعالى ذكره : فمال إلى آلهتهم بعد ما خرجوا عنه وأدبروا ؛ وأرى أن أصل ذلك من قولهم : راغ فلان عن فلان : إذا حاد عنه ، فيكون معناه إذا كان كذلك : فراغ عن قومه والخروج معهم إلى آلهتهم ؛ كما قال عدي بن زيد : حين لا ينفع الرواغ ولا ين * فع إلا المصادق النحرير يعني بقوله : " لا ينفع الرواغ " : الحياد . أما أهل التأويل فإنهم فسروه بمعنى فمال . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ أي فمال إلى آلهتهم ، قال : ذهب . حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي قوله : فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ قال : ذهب . وقوله : فَقالَ أَ لا تَأْكُلُونَ هذا خبر من الله عن قيل إبراهيم للآلهة ؛ وفي الكلام محذوف استغني بدلالة الكلام عليه من ذكره ، وهو : فقرب إليها الطعام فلم يرها تأكل ، فقال لها : أَ لا تَأْكُلُونَ فلما لم يرها تأكل قال لها : مالكم لا تأكلون ، فلم يرها تنطق ، فقال لها : ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ مستهزئا بها ، وكذلك ذكر أنه فعل بها ، وقد ذكرنا الخبر بذلك فيما مضى قبل . وقال قتادة في ذلك ما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة فَقالَ أَ لا تَأْكُلُونَ يستنطقهم ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ ؟ القول في تأويل قوله تعالى : فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ . . . أَ تَعْبُدُونَ يقول تعالى ذكره : فمال على آلهة قومه ضربالها باليمين بفأس في يده يكسرهن ، كما : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس قال : لما خلا جعل يضرب آلهتهم باليمين حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك ، فذكر مثله . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ فأقبل عليهم يكسرهم حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق : ثم أقبل عليهم كما قال الله ضربا باليمين ، ثم جعل يكسرهن بفأس في يده وكان بعض أهل العربية يتأول ذلك بمعنى : فراغ عليهم ضربا بالقوة والقدرة ، ويقول : اليمين في هذا الموضع : القوة : وبعضهم كان يتأول اليمين في هذا الموضع : الحلف ، ويقول : جعل يضربهن باليمين التي حلف بها بقوله : وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ وذكر أن ذلك في قراءة عبد الله : " فراغ عليهم صفقا باليمين " . وروي نحو ذلك عن الحسن . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يحيى بن واضح ، قال : ثنا خالد بن عبد الله الجشمي ، قال : سمعت الحسن قرأ : " فراغ عليهم صفقا باليمين " : أي ضربا باليمين . وقوله : فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ اختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة ، وبعض